ما زالت أصداء تظاهرات السترات الصفراء تلوح في أفق السياسة في باريس، فقد استبدل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس وزرائه إدوار فيليب، بشخصية جديدة على الوسط السياسي الأعلى، وهو اليميني جان كاستيكس.
تساؤلات عديدة دارت حول أسباب هذا التغيير الذي قام به ماكرون، وهل بالفعل هناك تأثير للسترات الصفراء أم أن هناك أسبابًا أخرى دفعت ماكرون لذلك؟
في البداية، عمل كاستيكس البالغ من العمر 55 عامًا مساعدًا سابقًا لنيكولا ساركوزي، وهو ينتمي لحزب الجمهوريين، وكان يرأس بلدية براد في جنوب غرب فرنسا. ولكنه منصب صغير، أو ربما متوسط في أفضل الأحوال، ولا يمكنه من الارتقاء إلى أعلى السلم المؤسسي، ليصل لمرحلة ما قبل القمة بدرجة.
جاءت النقلة النوعية في نظرة ماكرون لكاستيكس، بعدما عُين في إبريل مفوضًا مشتركًا بين الوزارات لشئون رفع إجراءات العزل؛ حيث أشاد الجميع بدوره وأدائه في التنسيق بين الوزارات؛ للتخفيف من أعباء جائحة الكورونا، إلا أن ذلك لم يكن وحده سببًا كافيًا لاستبداله برئيس الوزراء السابق.
بدأت الأزمة عندما على نجم رئيس الوزراء فيليب بعد إدارته لأزمة الكورونا، والتي منحته إشادة الجميع؛ بل وجعلت البعض يتنبأ بضرورة وجوده على رأس السلطة مستقبليًّا، وهو ما أربك حسابات ماكرون، الذي يعاني فقدان جزء كبير من قاعدته الانتخابية، وفقًا لنتائج واستطلاعات الرأي.
وجاءت الانتخابات البلدية الأخيرة، لتكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، وتعلن ضرورة إحداث قطيعة بين ماكرون وفيليب، وذلك بعدما فازت مجموعة فيليب في انتخابات البلدية الأخيرة بصورة ملحوظة، في حين خسر أعضاء كتلة الجمهورية إلى الأمام التي يقودها ماكرون بفداحة.
شعر ماكرون بالقلق على مستقبله السياسي، ورأى ضرورة التخلص من فيليب في الوقت الحالي، إلا أنه كان يخشى أيضًا أن يثير حفيظة اليمين العنصري المنتشر بقوة في فرنسا، فقرر الاستعانة بالرجل الثاني في أزمة الكورونا كاستيكس، لا سيما أنه ينتمي أيضًا لليمين المحافظ، وبالتالي سيضمن بذلك ماكرون ألا تثور الكتلة اليمينية ضده.
 أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ أيام أنه ينوي رسم مسار جديد مع فريق جديد؛ حيث حاول ماكرون أن يحمل فيليب إرث فشله في عدد من الملفات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، معلنًا أن سعيه لرسم مسار جديد، يستهدف تجاوز الفشل السابق.
يدرك ماكرون جيدًا أن هدفه من هذه التصريحات التي انتهت بقراره بإقالة فيليب كان بهدف القتل المعنوي للرجل، وتفويت الفرصة عليه في الانتصار مستقبلًا في الانتخابات الرئاسية.
ويعد فيليب أحد رموز اليمين الذين يصرحون كل وقت وآخر ضد المسلمين، ويستبطن رؤية معرفية ترى أن الإرهاب جزء من عقيدة الإسلام والمسلمين عامة، والعرب خاصة، لذلك ففي حالة نجاحه في المستقبل سيكون من أشد المعادين للإسلام والمسلمين، على خطى قدوته مارين لوبان، زعيمة التيار اليميني العنصري في أوروبا كلها وليس فرنسا وحدها، وعليه فمن مصلحة العرب والمسلمين بقاء ونجاح ماكرون في السلطة، وليس هناك أدل من تجربة دونالد ترامب في السلطة، للتأكيد على أن اكتساح اليمين في الغرب، هو أحد أهم التحديات التي تواجه العرب والمسلمين في الوقت الحالي.