د. علي محمد الصلابي

قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} ]الحج:26-29[.

يذكر الله سبحانه وتعالى عظمة البيت الحرام وجلالته، وعظمة بانيه وهو خليل الرحمن، فقد هيأه الله له وأنزله إياه، وجعل قسماً من ذريته من سكانه، وأمره الله ببنيانه، فبناه على تقوى الله وأسسه على طاعة الله هو وابنه إسماعيل، وأمره أن لا يشرك به شيئاً بأن يخلص لله أعماله ويبنيه باسم الله، وأن يطهر بيته من الشرك والمعاصي ومن الأنجاس والأدناس، وأضافه الرحمن إلى نفسه لشرفه وفضله، ولتعظُم محبته في القلوب وتنصب إليه الأفئدة من كل جانب، وليكون أعظمَ لتطهيره وتعظيمه لكونه بيت الربّ للطائفين به، والعاكفين عنده المقيمين لعبادة من العبادات من ذكر وقراءة، وعلم وتعلم، وغير ذلك من أنواع القرب.

وأمره بأن يدعو الناس ويعلمهم ويبلغهم دانيهم وقاصيهم فرضه وفضيلته، فإنك إذا دعوتهم أتوك حجاجاً وعماراً، مشاة على أرجلهم من الشوق، أو على فاقة ضامر تقطع المفاوز وتواصل السير حتى تأتي إلى أشرف الأماكن من كل بلد بعيد، وقد فعل الخليل عليه السلام فدعا الناس إلى حج هذا البيت، وقد حصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالاً وركباناً من مشارق الأرض ومغاربها. ثم ذكر الله تعالى فوائد بيت الله الحرام مرغباً فيه، لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح، وكل هذا من المنافع الدينية والدنيوية أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا شكراً لله على ما رزقهم منها ويسرها لهم، وليأكلوا منها وليطعموا البائس الفقير، أي: شديد الفقر.

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} أيّ: يقضوا نُسكهم ويزيلوا الوسخ والأذى الذي لحقهم في حال الإحرام، {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}: التي أوجبوها على أنفسهم من الحج والعمرة والهدايا، {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق من الجبابرة عليه، وهذا أمر بالطواف، خصوصاً بعد الأمر بالمناسك عموماً، لفضله وشرفه ولكونه المقصود، وما قبلهُ وسائل إليه، ولعله والله أعلم أيضاً لفائدة أخرى وهو أن الطواف مشروع في كل وقت، وسواء كان تابعاً لنسك أم مستقلاً بنفسه.

إنَّ إبراهيم عليه السلام قام بواجبه في تعليم المؤمنين بالله مناسك الحج وفق ما أمره الله، وأوحى إليه من مناسك الحج، وجدّد هذه الفريضة بعد ما اندثرت وانحرفت مع مرور السنين.

وإنَّ موسم الحج له منافع عظيمة وكثيرة:

-       موسم الحج هو تجمع إنساني عظيم.

-       والحج مؤتمر روحي.

-       وهو موسم تجارة وعبادة.

-       والحج مؤتمر اجتماع وتنسيق وتعارف.

-       وهو فريضة تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.

-       وأصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء من أطراف الأرض، ويقدم الحجيج من كل فجٍّ ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفيض به أرجاء الأرض في شتى المواسم، يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد. فالحج سوق عالمية تقام في كل عام.

-       والحج موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد.

·       وإن الحجاج وهم يؤدون هذه العبادة الجليلة يستحضرون جميع المشاهد الخالدة والأطياف النبوية المرتبطة بموسم الحج، ومنها:

-       طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام- وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

-       وطيف هاجر - عليها السّلام - وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرارة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة، وقد نهكها العطش وهدّها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة، وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء، وإذا بزمزم، ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب تظهر كغوث إلهي ورحمة ربانية.

-       طيف إبراهيم - عليه السلام- وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}، فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل عليه السلام: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: { وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)}.

-       وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام- وهما يرفعان القواعد من البيت في إنابة وخشوع: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)}.

وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتابع حتى يلوح طيفُ عبد المطلب وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، وإذا هو عبد الله وإذا عبد المطلب حريصٌ على الوفاء بالنذر، وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء، وإذ هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء، والقداح يخرج في كل مرة على عبد الله، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر، وهي الدّيّة المعروفة، فيقبل منه الفداء، فينحر مائة وينجو عبد الله، ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله -محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- ثم يموت، فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير.

ثم تتواكب الأطياف والذكريات من محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت، وهو يرجع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القائل، وهو يصلي وهو يطوف وهو يخطب وهو يعتكف، وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام- لتنبض حية في الخاطر وتتمثل شاخصة في الضمير، يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى، حول ذلك البيت، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار.

والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا}، ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعاً إليه، هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعاً ويلتقون عليها جميعاً، ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان، ويجدون قوتهم التي ينسونها حيناً، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد.

وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام في ظل الله، بالقرب من بيت الله وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة والذكريات الغائبة والحاضرة في أنسب مكان وأنسب جو وأنسب زمان، فذلك إذ يقول الله سبحانه {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.. كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين وأمر إبراهيم - عليه السّلام- أن يؤذن به في الناس.